ما هي المعرفة المهمة؟ عملية صنع القرار في مبادرات الحفظ والتنمية

الصورة من تصوير يواكيم شنورل (@joa70) على موقع Unsplash

غالبًا ما تفشل مشاريع الحفظ والتنمية، ليس بسبب ندرة المعلومات، بل لأن المعلومات الخاطئة هي التي تهيمن على عملية صنع القرار. فقد تكون البيانات العلمية متوفرة، والتجارب المحلية غنية، وأطر السياسات مصممة بشكل جيد. ومع ذلك، تظل النتائج مخيبة للآمال عندما تظل المعرفة مجزأة، أو خاضعة لتصفية سياسية، أو منفصلة عن الواقع الميداني.

وبالتالي، فإن السؤال الأساسي لا يقتصر على مقدار المعرفة التي يمتلكها صانعو القرار فحسب، بل يتعلق بالمعرفة التي يعتبرونها ذات صلة، ومعرفة من هي التي تُعتبر ذات أهمية، وكيف تُترجم تلك المعرفة إلى ممارسات حوكمة.

ما وراء الخبرة الفنية

لطالما اعتمد مجال الحفاظ على البيئة على الخبرة العلمية: مسوحات التنوع البيولوجي، والنمذجة البيئية، والبيانات المناخية، ورسم خرائط استخدام الأراضي، وتقييمات الأثر. ولا تزال هذه الأدوات أساسية؛ فبدونها، يستحيل فهم الضغوط التي تتعرض لها النظم الإيكولوجية، أو انخفاض أعداد الأنواع، أو الآثار طويلة المدى لاستخراج الموارد.

لكن الخبرة الفنية وحدها نادراً ما تكون كافية. فمبادرات الحفظ والتنمية تعمل في سياقات اجتماعية وسياسية بقدر ما تعمل في سياقات بيئية. فقد تبدو منطقة محمية متماسكة على الخريطة، لكنها قد تفشل إذا تجاهلت حقوق ملكية الأراضي العرفية، أو سبل العيش المحلية، أو الممارسات غير الرسمية لاستخدام الموارد.

وهذا هو المكان الذي تواجه فيه العديد من المشاريع صعوبات. فهي تعامل الحفاظ على البيئة على أنه مشكلة تقنية، في حين أنه في الواقع يمثل أيضًا مشكلة تتعلق بالحوكمة.

قيمة المعرفة المحلية

يمكن للمعارف المحلية والأصلية أن توفر رؤى غالبًا ما يغفلها الخبراء الخارجيون. فقد تفهم المجتمعات المحلية التغيرات الموسمية وسلوك الحيوانات وأنماط المياه واستخدام الغابات وتدهور الأراضي من خلال تجاربها المعيشية الطويلة الأمد.

هذه المعرفة لا تحل محل العلم، بل تكمله. فالبحث العلمي قادر على تحديد الأنماط البيئية العامة، في حين أن المعرفة المحلية تكشف عن كيفية التعامل مع تلك الأنماط وإدارتها في الواقع العملي.

غالبًا ما تُستشهد بهيئة متنزه الحاجز المرجاني العظيم كمثال على نهج أكثر تكاملاً. ويجمع نموذج إدارتها بين الرصد العلمي، وتقسيم المناطق، وتنظيم السياحة، وإدارة مصايد الأسماك، والتواصل مع الملاك الأصليين. والدرس المستفاد هنا ليس أن مثل هذه الأنظمة بسيطة، بل أن حوكمة الحفظ تصبح أقوى عندما تستند إلى أكثر من قاعدة معرفية واحدة.

تحدد الحوكمة نوع المعرفة التي يتم استخدامها

المعرفة لا تؤدي تلقائيًا إلى تحسين القرارات. فالمؤسسات هي التي تقرر ما يُستمع إليه، وما يُتجاهل، وما يُتخذ إجراء بشأنه.

وبالتالي، فإن أطر الحوكمة الفعالة تحتاج إلى آليات واضحة للمشاركة والمساءلة والتكيف. ولا تكفي مشاورات أصحاب المصلحة إذا كانت مجرد إجراء رمزي. كما لا تكفي المجالس الاستشارية إذا كانت توصياتها تفتقر إلى أي وزن. ولا تكفي منصات البيانات إذا كان صانعو القرار غير مستعدين لتعديل مسارهم.

تعتمد جودة الحوكمة على الكيفية التي تدخل بها المعرفة إلى النظام. فهل يتم جمع المعرفة المحلية في مرحلة مبكرة أم بعد ظهور المقاومة فقط؟ وهل تتم مناقشة المفاضلات بشكل صريح؟ وهل تتمكن المجتمعات المحلية من الطعن في الافتراضات؟ وهل تُستخدم الرصد لتغيير السياسات أم لمجرد إصدار التقارير؟

غالبًا ما تحدد هذه الأسئلة ما إذا كان المشروع سيصبح مستدامًا أم مثيرًا للجدل.

مشكلة تضارب المصالح

غالبًا ما تنطوي مبادرات الحفاظ على البيئة والتنمية على تنازلات متبادلة. فقد تتعارض حماية الغابات مع وظائف قطع الأشجار. وقد تؤدي حماية البيئة البحرية إلى تقييد أنشطة الصيد. وقد تؤثر مشاريع الطاقة المتجددة على استخدام الأراضي. وقد تدعم البنية التحتية النمو الاقتصادي في الوقت الذي تلحق فيه الضرر بالنظم البيئية.

تُجسِّد منطقة الأمازون هذا التوتر بوضوح. فحماية البيئة وحقوق السكان الأصليين والتوسع الزراعي والتعدين وقطع الأشجار واستراتيجيات التنمية الوطنية تتنافس جميعها على نفس الإقليم. وفي مثل هذه السياقات، لا يمكن لأي نظام معرفي بمفرده أن يقدم إجابة شاملة.

لذلك، يجب أن تكون عملية صنع القرار واضحةً فيما يتعلق بالأولويات. ما الذي يتم حمايته؟ من يتحمل التكلفة؟ ومن المستفيد؟ وما هي التعويضات أو البدائل أو الضمانات المقدمة؟ فبدون هذا الوضوح، تخاطر المشاريع بفقدان شرعيتها حتى لو كانت أهدافها البيئية صحيحة.

أهمية الحوكمة التكيفية

تعمل مشاريع الحفاظ على البيئة في ظل ظروف من عدم اليقين. فالتغير المناخي، والهجرة، وضغوط السوق، والتحولات السياسية، ودورات التغذية الراجعة البيئية، كلها عوامل يمكن أن تغير الظروف بسرعة. ولذلك، يجب أن تكون أنظمة الحوكمة قادرة على التكيف والتعلم.

تعني الحوكمة التكيفية أن القرارات لا تصبح نهائية بمجرد الموافقة على المشروع. بل تُراجع السياسات، وتُحدَّث البيانات، وتُعدَّل ممارسات الإدارة مع ظهور أدلة جديدة.

وهذا يتطلب عملية رصد وتقييم فعالة. لكن لا ينبغي التعامل مع الرصد على أنه مجرد متطلب بيروقراطي، بل يجب أن يكون أداة للتعلم. فالمشروع الذي يقيس التنوع البيولوجي، وتأثيراته على الدخل المحلي، ومدى الامتثال، ورضا المجتمع المحلي، والتحديات المتعلقة بإنفاذ القوانين، يكون في وضع أفضل للاستجابة قبل أن تصبح المشاكل غير قابلة للعلاج.

التكنولوجيا يمكن أن تساعد، لكنها ليست محايدة

الأدوات الرقمية تغير وجه مجال الحفاظ على البيئة. فالتصوير الفضائي والذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار والرصد الصوتي وتحليل البيانات يمكن أن تساعد في الكشف عن إزالة الغابات، وتتبع الصيد غير القانوني، ومراقبة الحياة البرية، وتقييم التغيرات البيئية في الوقت الفعلي تقريبًا.

يمكن لهذه التقنيات أن تجعل عملية اتخاذ القرار أسرع وأكثر دقة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تساعد المراقبة عبر الأقمار الصناعية لفقدان الغابات السلطات على تحديد عمليات إزالة الغابات غير القانونية والتصرف بسرعة أكبر.

لكن التكنولوجيا تثير أيضًا تساؤلات تتعلق بالحوكمة. من يتحكم في البيانات؟ هل تُشرك المجتمعات المحلية في تفسيرها؟ هل يمكن إساءة استخدام أدوات المراقبة؟ هل تعزز المراقبة الرقمية المساءلة، أم أنها تزيد من مركزية السلطة وتبعدها عن المجتمعات المتأثرة؟

لذلك، ينبغي أن تدعم التكنولوجيا الحوكمة الرشيدة، لا أن تحل محلها.

ما الذي ينبغي أن يضعه صانعو القرار في مقدمة أولوياتهم

لكي تنجح مبادرات الحفظ والتنمية، ينبغي على صانعي القرار التركيز على خمس أولويات.

أولاً، ينبغي عليهم تحديد المشكلة بوضوح. فالمشروع الذي يهدف إلى حماية التنوع البيولوجي سيتطلب معرفة مختلفة عن المشروع الذي يركز على سبل العيش أو التكيف مع تغير المناخ أو إعادة تأهيل الأراضي.

ثانياً، ينبغي أن تجمع بين المعرفة العلمية والمحلية والاقتصادية والمؤسسية. فلا يمكن لأي تخصص بمفرده أن يغطي التعقيدات الكاملة للإدارة البيئية.

ثالثًا، ينبغي عليهم إشراك المجتمع المحلي في المشروع منذ البداية. ولا ينبغي استشارة المجتمعات المحلية إلا بعد اتخاذ القرارات الرئيسية بالفعل.

رابعاً، ينبغي عليهم إظهار المفاضلات. فالتجنب اتخاذ الخيارات الصعبة غالباً ما يؤدي إلى انعدام الثقة والنزاع وضعف التنفيذ.

خامساً، ينبغي عليهم إقامة آليات للتغذية الراجعة. فيجب الاستفادة من الرصد والتقييم ومساهمات الأطراف المعنية في مراجعة القرارات، لا لمجرد تبريرها.

من المعلومات إلى الحكم

سيتوقف مستقبل الحفظ والتنمية بدرجة أقل على إصدار المزيد من التقارير، وبدرجة أكبر على تحسين القدرة على اتخاذ القرارات. فالتحدي لا يكمن في نقص المعرفة، بل في القدرة على تحديد المعرفة المهمة، وكيفية تقييم أنواع المعرفة المختلفة، وكيف يمكن أن تظل القرارات مشروعة في ظل ظروف عدم اليقين.

وستكون المبادرات الأكثر فعالية هي تلك التي تجمع بين الأدلة والمشاركة، وبين العلم والتجربة المحلية، وبين الأهداف البيئية طويلة الأجل والواقع الاجتماعي.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الحفاظ على البيئة على حماية الطبيعة فحسب، بل يتعلق أيضًا ببناء مؤسسات قادرة على اتخاذ قرارات أفضل بشأن الموارد المشتركة.